عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
61
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
الباب الرابع عشر في العشق اعلم يا بنى أن الإنسان لا يعشق ما لم يكن لطيف الطبع ، لأن العشق ينشأ من لطافة الطبع ، وكل ما ينشأ من لطافة الطبع فهو لطيف ، ولما كان لطيفا فإنه يتعلق بالطبع اللطيف . ألا ترى أن الشبان أكثر عشقا من الشيوخ ، لأن طبع الشبان ألطف من طبع الشيوخ ، وكذلك لا يكون غليظ الطبع ثقيل الروح عاشقا قط ، لأن هذه علة تصيب خفاف الروح على الأكثر ، ولكن اجتهد أن لا تعشق وتجنب العشق ، لأن أمر العشق أمر ذو بلاء ، وخاصة إبان الإفلاس ، إذ كل عاشق مفلس لا يبلغ المراد ، وخاصة إذا كان شيخا ، لأن الغرض لا يتحقق بغير المال ، فيكون قد أوغل في شرب دمه ، كما قلت في هذا المعنى : نظم كنت بغير مال فحل بي الألم لذلك ، وبقيت منعزلا عن وجهك لإفلاسى * ولي مثل يليق بحالي : المفلس يأتي من السوق صفر اليدين * * * فإذا اتفق مرة أن طاب لك الوقت مع إنسان ، فلا تكن أسير القلب ولا تعلم قلبك العشق أبدا ، ولا تكن دائما متابعا للشهوة ، فإن هذا ليس شأن العقلاء ، لأن الرجل العاشق إما أن يكون في الوصال أو الفراق ، وسنة من راحة الوصل لا تساوى ألم فراق يوم واحد ، فرأس مال العشق العناء وألم القلب والمحنة ، ومهما يكن ألما لذيذا ، فإنك إذا كنت في الفراق تكون في العذاب ، وإذا كنت في الوصال وعرف المعشوق ما في قلبك ، فإنك لا تعرف لذة الوصال عندما ترى دلاله ووقاحته وطبعه السيّئ ، وإذا كان الوصال يعقبه فراق ، فذاك الوصال أسوأ من الفراق ، وإذا كانت معشوقتك ملاكا في المثل ، فإنك لا تخلو في أي وقت من ملامة الخلائق ، لأن عادة الناس قد جرت هكذا ، فاحفظ نفسك ما استطعت ، وتجنب العشق ! إذ لا يستطيع الاحتراز من العشق إلا العقلاء ، لأنه لا يمكن أن يصير إنسان عاشقا بنظرة واحدة ، فالعين ترى أولا ثم يفكر القلب ، فإذا وقع القبول في القلب ، مال إليه الطبع ، وعندئذ يطلب اللقاء ، وإذا جعلت شهوتك طوع قلبك وصيرت قلبك